نزاهة الإجراءات ودورها في ترسيخ شرعية التحكيم الدولي.


 نزاهة الإجراءات ودورها في ترسيخ شرعية التحكيم الدولي.



هذا الموضوع كان من أهم الموضوعات التي نوقشت خلال الجلسات المنعقدة في اليوم الأخير من مؤتمر ICCA مدريد 2026 (ICCA 2026 Madrid)، وهو المؤتمر السابع والعشرون للمجلس الدولي للتحكيم التجاري (ICCA International Council for Commercial Arbitration - ICCA)، والذي انعقد خلال الفترة من 12 إلى 15 أبريل، تحت عنوان: “التحكيم الدولي: محلي، عالمي أم كلاهما؟”

افتُتح النقاش بسؤال محوري حول دور نزاهة الإجراءات في تعزيز شرعية التحكيم الدولي عبر مختلف الأنظمة القانونية. وقد جمعت الجلسة، التي أدارتها (Eva Chan) و(Gourab Banerji)، نخبة من المتحدثين، من بينهم (Georges Affaki)، و(Diego P. Fernández Arroyo)، و

(Wilson Muiruri)، و(Fabio Núñez del Prado). وتركز الحوار على أن الشرعية ليست مفهومًا نظريًا مجردًا، بل مسألة عملية تؤثر في إدارة التحكيم وفي مدى قبوله من قبل المستخدمين.

قدّم (Georges Affaki) إطارًا للشرعية باعتبارها عملية تبدأ من موافقة الأطراف وتمتد حتى صدور الحكم، مؤكدًا أن نزاهة الإجراءات تمثل شرطها الأساسي. فكلما اتسمت الإجراءات بالاتساق والوضوح والعدالة، تعززت الثقة في التحكيم، بينما يؤدي غيابها إلى تقويض هذه الثقة.

ورغم الاتفاق على المبادئ الأساسية مثل حق الاستماع والمساواة وتسبيب الأحكام، برزت التحديات العملية في التطبيق. حيث أشار (Diego P. Fernández Arroyo) إلى التوتر بين الإفراط في الشكلية والإفراط في المرونة، محذرًا من أن كلاهما قد يضر بشرعية التحكيم، خاصة مع مخاطر الإفراط الإجرائي وما يترتب عليه من زيادة التكاليف وسلوكيات استراتيجية.

كما برزت مسألة “الإدراك” كعنصر حاسم، إذ لا تتوقف الشرعية على العدالة الموضوعية فقط، بل أيضًا على كيفية تصور الأطراف والدول لعملية التحكيم. وفي هذا السياق، تمت الإشارة إلى أن التمييز بين التحكيم الاستثماري والتجاري قد يكون مضللًا، نظرًا لدور الأخير في تشكيل الحوكمة الاقتصادية العابرة للحدود.

وتناول (Wilson Muiruri) تطور الممارسة التحكيمية، خاصة في ما يتعلق بمفهوم الإجراءات القانونية الواجبة، مشيرًا إلى التحول نحو إدارة أكثر فاعلية للإجراءات، مع بقاء التحدي في تحقيق التوازن بين الكفاءة وضمان العدالة.

وفي السياق ذاته، ناقش (Fabio Núñez del Prado) دور المحكمين، بين الدور التقليدي السلبي والدور الأكثر فاعلية، مؤكدًا أن شرعية التحكيم تعتمد على كيفية ممارسة هذه السلطات، لا سيما فيما يتعلق بالحياد والشفافية والمساواة.

كما احتلت الشفافية حيزًا مهمًا من النقاش، حيث لوحظ تطور التحكيم الاستثماري نحو مزيد من الانفتاح، مقابل استمرار الطابع السري للتحكيم التجاري، مع التأكيد على ضرورة موازنة الشفافية وفقًا لطبيعة النزاع.

وفي الختام، أُثيرت مسألة المساءلة وتعيين المحكمين، مع التأكيد على أهمية تحقيق توازن دقيق يحافظ على استقلالية التحكيم ونهائيته، دون الإخلال بمتطلبات الثقة.

وبوجه عام، أكدت الجلسة أن شرعية التحكيم ليست أمرًا ثابتًا، بل تُبنى باستمرار من خلال الممارسة، وتظل نزاهة الإجراءات في قلب هذه العملية، باعتبارها واقعًا عمليًا يؤثر في النتائج والتصورات عبر مختلف الأنظمة القانونية.

#التحكيم_الدولي #ICCA2026 #Arbitration #DueProcess #InternationalLaw
تعليقات