تحرير الأرض بالقوة… وتثبيت الحق بالتحكيم
يُمثّل 25 أبريل من كل عام محطة فارقة في الوعي الوطني المصري، إذ يخلّد ذكرى استعادة سيناء وعودة السيادة المصرية على معظم أراضيها في عام 1982م، تنفيذًا لما تقرر بموجب اتفاقية كامب ديفيد. غير أن هذه الذكرى، على أهميتها، لا تكتمل صورتها إلا باستحضار المسار القانوني الدقيق الذي تُوّج لاحقًا باستعادة طابا عبر التحكيم الدولي، في واحدة من أبرز تجارب تسوية المنازعات الحدودية بالوسائل السلمية. فبينما شهد عام 1982م جلاء قـوات الـاحـتـلال عن أغلب سيناء، بقيت طابا نقطة نزاع محورية، حيث استندت مصر في تمسكها بحقها إلى المادة السابعة من معاهدة السلام التي نصت صراحة على حل الخلافات المتعلقة بتفسير أو تطبيق المعاهدة عبر المفاوضات، أو التوفيق، أو التحكيم الإجباري حال تعذر الوصول لحل ودّي.
تجسد هذا الإصرار المصري باللجوء للتحكيم الدولي عبر توقيع مشارطة التحكيم في 11 سبتمبر 1986م، والتي حددت بدقة نطاق النزاع حول 14 علامة حدودية، كان أبرزها العلامة رقم 91. تشكلت هيئة التحكيم الدولية في جنيف من خمسة محكمين ترأسهم السويدي غونار لاجرجرين، وضمت في عضويتها الدكتور حامد سلطان عن الجانب المصري، وروث لابيدوث عن جانب الـاحـتـلال، بجانب المحكمين المحايدين بيير بيليه من فرنسا وديتريش شيندلر من سويسرا. خاض الفريق القانوني المصري، الملقب بـ "عقول مصر الذهبية"، معركة وثائقية مذهلة اعتمدت على استراتيجية الحقيقة الموثقة، حيث انطلق أعضاء اللجنة للبحث في أرشيفات لندن وإسطنبول والقاهرة، ونجحوا في جمع 29 خريطة نادرة ومستندات تاريخية أثبتت أن طابا كانت دومًا تحت الإدارة والسيادة المصرية الفعلية.
ارتكز الدفاع المصري على نظرية قانونية محورية تُعرف بـ "نضوج الحدود"، والتي تفترض أن الحدود الدولية المادية التي تم تثبيتها والاعتراف بها لعقود تصبح هي المرجع القانوني الملزم الذي ينفصل عن أصله المكتوب. ولدعم هذه النظرية، قُدمت أدلة مادية قاطعة، منها صور فوتوغرافية نادرة لـ "باركر باشا" تعود لعام 1906م، تظهر الجنود المصريين بجوار العلامات الحدودية الأصلية. ولم تكتفِ هيئة التحكيم بالأوراق، بل أجرت معاينة ميدانية في جبال طابا، حيث عثر الخبراء المصريون على بقايا العلامات القديمة وشجر الدوم التاريخي المذكور في الوثائق. هذا التلاحم بين الدليل الوثيقي والمعاينة الميدانية جعل الدليل الجغرافي ينطق بالحق المصري ويجهض محاولات التضليل الإسرائيلية التي حاولت ادعاء تغيير معالم التضاريس.
توجت هذه الملحمة بصدور الحكم التاريخي في 29 سبتمبر 1988م، حيث قضت الهيئة بأغلبية 4 أصوات مقابل صوت واحد بأن طابا أرض مصرية خالصة وفقًا للحدود الدولية لعام 1906م. وألزم الحكم الـاحـتـلال بالانسحاب من المنطقة المتنازع عليها بالكامل، ليرتفع العلم المصري فوق طابا في 19 مارس 1989م، معلنًا استكمال السيادة الوطنية التي بدأت باستعادة الأرض بالقوة في أكتوبر 1973م، ثم استكملت بتثبيت الحق بالتحكيم الدولي في جنيف. وتظل ملحمة طابا حتى اليوم من أبرز النماذج في تاريخ التحكيم الدولي لكيفية حل النزاعات الحدودية بالطرق السلمية، وبرهانًا ساطعًا على أن الكفاءة القانونية والدبلوماسية حين تتسلح بالانتماء والعمل المؤسسي المنظم، تستطيع حماية كل ذرة من تراب الوطن وإقرار السيادة الوطنية التي لا تقبل التجزئة.
#محمد_الفقي
#تحرير_سيناء #طابا #التحكيم_الدولي #القانون_الدولي #تسوية_المنازعات #السيادة_الوطنية #فض_المنازعات #الحدود_الدولية #مصر #Arbitration #InternationalLaw #DisputeResolution
