الهروب من التحكيم

الهروب من التحكيم


لطالما شكّلت الشروط متعددة المراحل لتسوية النزاع – كالتفاوض أو عرض النزاع على مستويات إدارية قبل اللجوء إلى التحكيم – أداةً ذات حدّين. فبينما وُضعت لتشجيع الحلول الودية، تحوّلت في الممارسة إلى وسيلة إجرائية يُستند إليها لتعطيل التحكيم، من خلال الدفع بعدم استيفاء هذه المراحل واعتبارها شرطًا لازمًا لانعقاد اختصاص هيئة التحكيم.

وقد بدا هذا الاتجاه مدعومًا بحكم محكمة الاستئناف في سنغافورة في قضية Lufthansa (2014)، حيث قيل إن عدم استيفاء الشروط المسبقة قد يؤدي إلى عدم انعقاد الاختصاص. غير أن هذا الحكم لم يحسم التكييف القانوني للمسألة، إذ لم تكن التفرقة بين الاختصاص وقبول الدعوى مطروحة للنقاش، بل افترضت المحكمة – دون جدل – أن هذه الشروط تمس الاختصاص. ويمكنكم الاطلاع على الحكم من خلال الرابط التالي: اضغط هنا

وجاء حكم المحكمة العليا في سنغافورة في قضية DRO v DRP (2025) ليحسم هذا الإشكال ويعيد بناء المسألة على أسس أكثر دقة. فقد قررت المحكمة أن عدم الالتزام بمراحل تسوية النزاع السابقة لا يتعلق بالاختصاص، وإنما يندرج ضمن مسائل قبول الدعوى (Admissibility)، باعتباره مرتبطًا بمدى ملاءمة عرض النزاع في توقيت معين، لا بسلطة الهيئة في نظره من حيث الأصل. ويمكنكم الاطلاع على الحكم من خلال الرابط التالي: اضغط هنا

وأكدت المحكمة أن ما ورد في حكم Lufthansa لا يُعد قاطعًا في هذه المسألة، واعتبرته من قبيل الملاحظات غير الملزمة، بما أتاح لها إعادة النظر من منطلق تحليلي مستقل. وانتهت إلى أن الإخلال بهذه الشروط لا يغيّر من نطاق النزاع المتفق على تحكيمه، وإنما يعني فقط أن النزاع قد طُرح قبل أوانه، وهو ما يجعله مسألة تتعلق بقبول الدعوى لا بالاختصاص.

وقد جاء هذا التوجه متسقًا مع ما أُشير إليه لاحقًا في قضية BTN v BTP (2021)، كما يتوافق مع القضاء المقارن، خاصة حكم Sierra Leone v SL Mining (2021) في إنجلترا، والذي انتهى إلى أن هذه الشروط تتعلق بقبول الدعوى لا باختصاص الهيئة.

وعلى الصعيد الفقهي، يدعم هذا الاتجاه عدد من أبرز المراجع في التحكيم الدولي، وعلى رأسها مؤلفات Gary Born، وكذلك ما ورد في Oxford Handbook of International Arbitration، حيث يجري التأكيد على أن هذه الشروط تتصل بتنظيم استعمال الحق في التحكيم، لا بأصل وجوده.

ويترتب على هذا التكييف أثر عملي مهم؛ إذ لم يعد من الممكن الطعن أمام القضاء في اختصاص هيئة التحكيم استنادًا إلى عدم استيفاء المراحل السابقة. ولم يُلغِ الحكم هذا الدفع، لكنه أعاد توجيهه إلى موضعه الصحيح داخل العملية التحكيمية، بحيث يُثار أمام الهيئة نفسها، بما يغيّر من الحسابات الإجرائية والاستراتيجية للأطراف.

خلاصة الأمر أن ما كان يُستخدم كوسيلة للهروب من التحكيم لم يعد يؤدي ذات الغرض، بعد أن أُعيد تحديد طبيعته القانونية ووُضع في إطاره الصحيح، في اتجاه يعكس دعمًا واضحًا للتحكيم، وتأكيدًا على مبدأ الحد الأدنى من تدخل القضاء في إجراءاته.


#التحكيم_الدولي #Arbitration #InternationalArbitration #القانون #فض_المنازعات

تعليقات