العدالة التحكيمية في زمن الذكاء الاصطناعي

 العدالة التحكيمية في زمن الذكاء الاصطناعي

في زمنٍ تتقاطع فيه خيوط العدالة مع خوارزميات التقنية، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت التكنولوجيا ستدخل مجال التحكيم، بل إلى أي مدى ستؤثر في بنيته القانونية ومفاهيمه المستقرة.

يشهد التحكيم المعاصر تحولًا نوعيًا يتجاوز مجرد استخدام الوسائل الحديثة إلى إعادة صياغة بعض آليات العمل الإجرائي ذاتها، حيث أصبحت الأدوات الرقمية، وعلى رأسها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، عنصرًا فاعلًا في إدارة الخصومة التحكيمية، سواء في تنظيم المستندات، أو تحليل كمٍ هائل من البيانات، أو دعم إعداد المذكرات القانونية، وهو ما أسهم في تعزيز كفاءة الإجراءات وتسريع وتيرتها بصورة غير مسبوقة، وقد كان هذا من الموضوعات الجوهرية التي طُرحت للنقاش خلال فعاليات أسبوع التحكيم في باريس Paris Arbitration Week 2026 في شهر مارس الماضي.

غير أن هذا التطور التقني يطرح في المقابل إشكاليات قانونية دقيقة، تتعلق بمدى اتساق الاعتماد على هذه الأدوات مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التحكيم، وفي مقدمتها مبدأ المواجهة بين الخصوم، وحق الدفاع، وضرورة تمكين كل طرف من الاطلاع على الأدلة ومناقشتها على قدم المساواة، فضلًا عن استقلال هيئة التحكيم في تكوين اقتناعها بعيدًا عن أي تأثير غير منظور قد تفرضه الخوارزميات.

ويبرز في هذا السياق تساؤل جوهري حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به التكنولوجيا داخل العملية التحكيمية: هل تظل مجرد أداة مساعدة تعزز من جودة العمل القانوني، أم أنها قد تتحول تدريجيًا إلى عنصر مؤثر في تشكيل القناعة القضائية ذاتها؟ وهو تساؤل يزداد إلحاحًا في ظل تطور أنظمة قادرة على تقديم تحليلات معقدة قد تبدو في ظاهرها دقيقة ومحايدة، بينما تظل في حقيقتها محكومة بمدخلات وخوارزميات قد لا تكون شفافة بالكامل.

كما تمتد هذه الإشكاليات إلى مسألة حجية المخرجات التقنية، ومدى إمكانية التعويل عليها كجزء من عناصر الإثبات، وما إذا كان يتعين تمكين الأطراف من مناقشتها والطعن عليها بذات الضوابط المقررة للأدلة التقليدية، فضلًا عن تحديد نطاق مسؤولية المحكم عند الاستعانة بمثل هذه الوسائل، خاصة إذا كان لها تأثير في النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

ومن زاوية أخرى، يثير استخدام التكنولوجيا تحديات تتعلق بمبدأ الحياد، إذ قد تنطوي بعض الأنظمة على انحيازات كامنة نتيجة لطبيعة البيانات التي تم تدريبها عليها، وهو ما يقتضي وضع معايير واضحة لضمان شفافية هذه الأدوات وقابليتها للتفسير، بما يكفل عدم الإخلال بثقة الأطراف في عدالة العملية التحكيمية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يتجه الفقه القانوني إلى التأكيد على ضرورة تأطير استخدام التكنولوجيا ضمن ضوابط إجرائية واضحة، تضمن الاستفادة من مزاياها دون التفريط في الضمانات الجوهرية التي يقوم عليها التحكيم، بحيث يظل القرار التحكيمي ثمرة تقدير قانوني بشري، يستند إلى فهم دقيق للوقائع وتكييفها في إطار من الحياد والاستقلال.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال التكنولوجيا إلى مجال التحكيم، بل في تحقيق التوازن الدقيق بين مقتضيات الكفاءة والسرعة التي تفرضها البيئة الحديثة، وبين متطلبات العدالة الإجرائية التي تشكل جوهر العملية التحكيمية، بما يحافظ على مكانة التحكيم كوسيلة موثوقة وفعالة لتسوية المنازعات في عالم يتسم بالتغير المتسارع.

#محمد_الفقي

 #التحكيم #التحكيم_الدولي #القانون #تسوية_المنازعات #العدالة #الإجراءات_التحكيمية #الذكاء_الاصطناعي #Arbitration #InternationalArbitration #LegalTech #DueProcess


تعليقات