بين التحكيم والقضاء… أي البنود يُعبّر حقًا عن إرادة الأطراف؟

 بين التحكيم والقضاء… أي البنود يُعبّر حقًا عن إرادة الأطراف؟


حين تتعدد بنود تسوية النزاعات داخل العقد، فإن ما يبدو في ظاهره مرونة تعاقدية قد يتحول عند التطبيق إلى مصدر حقيقي لعدم اليقين. فالعقود التجارية الدولية كثيرًا ما تتضمن أكثر من آلية لحل النزاع، كالجمع بين شرط التحكيم وبند يمنح الاختصاص لمحاكم وطنية، أو النص على مراحل متتابعة تبدأ بالتفاوض أو الوساطة قبل الانتقال إلى التحكيم أو القضاء. هذا التعدد قد يكون مقصودًا لتنظيم حالات مختلفة، لكنه في أحيان أخرى يأتي نتيجة صياغة غير دقيقة تفتح الباب لتفسيرات متعارضة عند نشوء النزاع.

في هذا الإطار، تناولت محكمة الاستئناف في إنجلترا وويلز في #حكم_حديث بتاريخ 17 أبريل 2026، في قضية [2026] EWCA Civ 468، نزاعًا تمحور حول كيفية التعامل مع بنود متنافسة لتسوية المنازعات وردت في العقد ذاته. وقد تمسّك كل طرف بالبند الذي يخدم مركزه القانوني، وهو ما دفع المحكمة إلى التدخل لتحديد المنهج الصحيح في تفسير هذه النصوص، ليس من زاوية تفضيل وسيلة على أخرى، بل من زاوية احترام الإرادة التعاقدية كما عبّر عنها الأطراف في مجموع العقد. ويمكنكم الاطلاع على نص الحكم كاملًا من خلال الرابط التالي: اضغط هنا

المحكمة أكدت أن نقطة الانطلاق في مثل هذه الحالات هي قراءة العقد كوحدة متكاملة، بحيث لا يُنظر إلى كل بند بمعزل عن غيره. فالتحليل الجزئي قد يقود إلى نتيجة توحي بالتعارض، بينما يكشف النظر الكلي عن إمكانية التوفيق بين البنود ومنح كل منها نطاقًا خاصًا للتطبيق. ومن ثم، فإن الأصل ليس إقصاء أحد البنود، بل محاولة إعمالها جميعًا بقدر ما يسمح به السياق العام للعقد، وبما يحقق التوازن بين أحكامه.

غير أن هذا التوجه لا يمتد إلى ما لا نهاية. فإذا تبين أن البنود متعارضة على نحو يستحيل معه الجمع بينها، يصبح من اللازم ترجيح أحدها. وقد أوضحت المحكمة أن هذا الترجيح لا يتم بصورة اعتباطية، بل يستند إلى معايير موضوعية دقيقة، من بينها صياغة النصوص، وترتيبها داخل العقد، وطبيعة الالتزامات محل النزاع، والسياق التجاري الذي أُبرم فيه الاتفاق. كما قد يُستأنس بالهدف العملي الذي سعى إليه الأطراف، وما إذا كان أحد البنود يعكس بشكل أوضح هذا الهدف مقارنة بغيره.

ومن الجوانب اللافتة في هذا الحكم أن المحكمة لم تفترض أولوية التحكيم أو القضاء كقاعدة عامة، بل تعاملت مع المسألة باعتبارها مسألة تفسير تعاقدي خالص. فالمعيار الحاكم لم يكن نوع الآلية المختارة، وإنما مدى تعبيرها عن الإرادة المشتركة للأطراف كما يمكن استخلاصها من العقد ككل. وبهذا المعنى، فإن دور القضاء يظل محصورًا في إعادة بناء هذه الإرادة وتفعيلها، دون أن يمتد إلى استبدالها أو إعادة صياغتها.

هذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة العقود التجارية الحديثة، حيث لم يعد من الكافي الاكتفاء بإدراج بنود متعددة لتسوية النزاعات دون إحكام العلاقة بينها. فالتعدد غير المنظم قد يؤدي إلى نزاع إجرائي يسبق النزاع الموضوعي، ويستهلك الوقت والجهد في تحديد الجهة المختصة قبل الوصول إلى الفصل في أصل الحق. ومن هنا، تبرز أهمية الصياغة الدقيقة التي تضمن وضوح ترتيب الآليات وتكاملها، وتحدد على نحو لا لبس فيه متى يُلجأ إلى كل منها.

إن فعالية نظام تسوية النزاعات لا تقاس فقط بوجوده داخل العقد، بل بمدى وضوحه وقابليته للتطبيق دون تضارب. وعندما تتكامل البنود وتنسجم فيما بينها، فإنها تحقق الغاية التي وُضعت من أجلها. أما إذا جاءت متداخلة أو متعارضة، فإن عبء إعادة ترتيبها ينتقل إلى القاضي، بعد أن يكون الأطراف قد دخلوا بالفعل في نزاع إضافي كان يمكن تفاديه منذ لحظة الصياغة الأولى.


#محمد_الفقي

#التحكيم #القانون #فض_المنازعات #التحكيم_التجاري #Arbitration #LegalInsights

تعليقات